محمود مختار رائد فن النحت العربي المعاصر

اذهب الى الأسفل

محمود مختار رائد فن النحت العربي المعاصر

مُساهمة  عبدالقادر في الثلاثاء أبريل 22, 2008 1:57 pm

من العسير على شباب اليوم أن يتصور دهشتنا وانبهارنا عندما بدأ الحديث عن مختار، فنحن الآن نتكلم كثيرا عن الفن وندرسه وننظم له المعارض ونناقشه ونصدر الأحكام، ولكن منذ خمسة عشر عاما كانت أمور الفن غريبة على الشباب المصري غرابة اللغة السريانية، لقد كان مختار ظاهرة فذة، وكان حدثا معجزا أثار إعجابنا دون أن ندرك له تفسيرا، وكانت هذه الفجاءة وتلك الدهشة التي صاحبت ظهوره هي التي جعلتنا نسميه جميعا "النابغة".. وعلى شباب اليوم أن يعلموا تماما أنه إذا كان الفن الآن معترفا به وتشجعه السلطات الرسمية فإننا ندين بذلك لمختار ولن ينسى له هذا الفضل أحد، فهو دائما نابغتنا.."
"من مقال لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بعنوان "مختار ومصر" كتبه قبل وفاة مختار ونشر بالفرنسية بمجلة "آفور" بعد وفاته عام 1935"








عـصــر مختــار





ولد طه حسين عام 1889، وفى نفس الوقت ولد عباس محمود العقاد، وكان ميلاد المازني عام 1890، ثم ولد محمود مختار والرسام يوسف كامل 1891، بينما ولد سيد درويش والرسامان محمد حسن وراغب عياد 1892، وكان ذلك في ظل الاحتلال الانجليزي لمصر الذي بدأ عام 1882.





إلي هذا الجيل ينتمي مصطفى عبد الرازق، ومحمد حسين هيكل ومحمود عزمي وأحمد ضيف وأحمد صبري ومجموعة المثقفين الذين تخصصوا في القانون والطب والهندسة والعلوم، وتألق كل منهم في ميدانه..


كلهم ولدوا في الريف ثم انتقلوا إلى العاصمة، وتفاعلت مفاهيمهم الشرقية بمناهج الفكر والحضارة الأوروبية، وكانت هناك روح واحدة تجمعهم وإحساس مشترك يقرب بينهم، لم يلبث أن تبلور في الدعوة إلى إحياء المجد القديم وبعث الروح في الشعب المصري مع الاعتزاز والشغف بالآثار والدعوة إلى الاستقلال والتحرر من الاحتلال الأجنبي، مهد لها شعر شوقي وحافظ ومطران، ثم خطب الزعماء السياسيين "مصطفى كامل"، "محمد فريد"، "سعد زغلول" الذي تزعم ثورة 1919 الوطنية في مصر. هذا هو عصر "مختار".. عصر النهضة بمثله العليا وتطلعه وإشراقه، تبلورت مطالب العصر فترددت في أعماله الفنية، ولاح في تماثيله الأمل والإصرار والكبرياء كانعكاس لصورة العصر، وترجمة لكيانه الفكري والسياسي، مجسماً في رموز تشكيلية جعلته واحداً من زعماء ثورة مصر الوطنية بعد الحرب العالمية الأولى.





وتعتبر حياة مختار نموذجاً في الكفاح له دلالات عميقة، فهو أحد القلائل الذين حققوا لبلده ذاتية قومية، وردوا إليه الثقة في نفسه، فكان أثره في مجال الفنون كأثر الشيخ محمد عبده في مجال الإصلاح الاجتماعي، وأثر سعد زغلول في مجال الزعامة السياسية وأثر طلعت حرب في المجال الاقتصادي، وأثر الدكتور طه حسين في المجال الفكري والفلسفي.





بين القرية والحارة





ولد "محمود مختار" في بلدة "طنبارة" وهى قرية بالقرب من مدينة المحلة الكبرى بوسط الدلتا، كان ميلاده يوم 10 مايو عام 1891.. أبوه هو "الشيخ إبراهيم العيسوي" عمدة القرية ولم تكن أمه هي الزوجة الأولى، كما كانت تصغر أبيه بشكل ملحوظ، ولم تلبث الخلافات أن نشبت بين الزوجات فأنتقل مختار ليعيش مع جدته لأمه في بيت خاله بقرية "نشا" بالقرب من مدينة المنصورة حيث تعلم في كتابها.


وعرف عن مختار أنه خلال طفولته بالريف كان يقضى معظم وقته بجوار الترعة يصنع من طينها أشكالا وتماثيل تصور بعض المشاهد التي يراها في قريته مثل النسوة وهن يحملن الجرار، أو حيوانات الحقل وهى تجر المحراث أو تدرس القمح.. وغير ذلك من مشاهد الريف.


واجتاح وباء الكوليرا قرى مصر في منتصف العقد الأخير من القرن الماضي فحصد الأطفال لكن مختارا نجا، ومعه أقطاب هذا الجيل الذين صنعوا تاريخ مصر في الربع الأول من القرن العشرين وما أن انزاح وباء الكوليرا حتى عاد إلى أحضان أمه التي انفصلت عن أبيه وانضمت إلى بيت أسرتها في قرية "نشا".. ويواصل الصبي حياته كأبناء الفلاحين، يتعلم في الكتاب ويخرج إلى الحقل مع ذويه يتعلم فنون الإشراف على الزراعة وممارستها.


واستمع الصبي لحكايات الفلاحين، وكانت من بينها حكاية عن جده الذي نفي إلى السودان في عهد حكم الخديوي إسماعيل، لتمرده على الظلم الذي وقع على الفلاحين من اجل جباية الضرائب، وكانت قصة هذا النفي تروى إليه بصياغات مختلفة كأنها من الأساطير، ويضاف إليها حكايات عن حياته في المنفى وكيف علم أهل السودان الزراعة ورشدهم إلى صناعة الشواديف لرفع الماء.. وهكذا تداخلت قصة الجد مع الأسطورة المصرية القديمة عن "أوزوريس" الذي علم سكان مصر الزراعة قبل بداية التاريخ.





وقررت الأم أن تنتقل إلى القاهرة للعلاج الذي قد يطول.. وطلب مختار أن يلحق بها، لكنه لقي معارضة أقاربه.. حتى عزم أمره على السفر هارباً بمفرده.. وفى الطريق قابله خاله الشيخ "محمد أبو غازي" (والد المرحوم بدر الدين أبو غازي)، فيرأف بحاله ويصحبه إلى أمه التي كانت تقيم في حي "الحنفي" بجوار حي عابدين.. كان ذلك عام 1902 ولم يبلغ مختار عامه الحادي عشر، فيلتحق بإحدى المدارس الابتدائية ليكمل تعليمه.


انتقل مختار إلى القاهرة ليعيش في بيئة تسودها تقاليد الحارة المصرية، حيث يختلط السكان ويتعاونون مهما تفاوتت مستوياتهم، التلاميذ وأصحاب المتاجر والصناع والموظفون هذه البيئة الشعبية تحوطها عمارة القاهرة الإسلامية بفنونها العريقة، فتبهره مآذن مساجدها ويتعلم من أبناء الحي أكثر مما يتعلمه في المدرسة.





كانت طفولته في الريف تطل على الحقول الواسعة المنبسطة والحياة بإيقاعها البطيء، وفى القاهرة كان الضوء الساطع بالنهار يعكس ظلالاً حادة على زخارف عمارة المساجد والبيوت القديمة، فتوقظ لدى الصبي الحساس الرغبة في التشكيل المجسم، وتثير حاسة اللمس لديه، وتوقظ الرغبة في تحسس هذه الزخارف المجسمة.. فالإضاءة القوية والحياة معظم الوقت خارج الأماكن المغلقة يحقق الميل إلى التجسيم وإقامة الأشكال ذات الأبعاد الثلاثة القادرة على إعطاء مماثل صادق لهذه البيئة.





مدرسة الفنون الجميلة





وتتمنى الأم أن يلتحق ابنها بالأزهر، لكنه يحس ميلا فطريا نحو الفن، ولا يعرف إلى أين يتجه.. وتفتح مدرسة الفنون الجميلة المصرية أبوابها عام 1908 بحي درب الجماميز القريب من منزله، فيسرع إلى الالتحاق بها، ويكون أول طالب يتقدم إليها.. وتبدأ مسيرة مختار مع الفن.





الأمير "يوسف كمال" من أمراء الأسرة المالكة هو الذي أنفق على افتتاح هذه المدرسة، وهذا جانب إيجابي يذكر له، وقد اتجه إلى وقف أمواله وثروته على تدريس الفن وإرسال المبعوثين لدراسته بأوروبا.. بالطبع كان هدفه من ذلك خلق جيل من الفنانين المصريين يحلون مكان الفنانين الأجانب في تزيين القصور والمباني.. لكن التطورات السياسية لم تسنح بتحقيق هذا الهدف، فسرعان ما اشتعلت الحركة الوطنية ضد الاستعمار الانجليزي (قوات الاحتلال) وانعكس ذلك على فن مختار في التماثيل التي أقامها للزعماء السياسيين "مصطفى كامل" و "محمد فريد" وكانت هذه التماثيل تحمل في المظاهرات والجنازات وتتصدر مواكب الشباب.





ومن ناحية أخرى ألهبت البطولات العربية خيال الفنان الشاب فأقام تماثيل تصور "طارق بن زياد" و "عمرو بن العاص" ثم "خولة بنت الأزور" وهي البطلة العربية التي حررت نساء قبيلتي "تبع" و "حمير" من أسر الروم، وكانت على هيئة امرأة تمتطى جوادا وتطعن بالرمح وتشبه من بعض الأوجه "جان دارك" الفرنسية.





هذا إلى جانب استعادته لمشاهد الريف يسجلها صورا وتماثيل، خاصة التماثيل الفكاهية لابن البلد ووجوه زملائه.. هذه الروح المرحة وخفة الظل من الأمور التي لفتت الانتباه إلى موهبته باعتباره متمكنا وقادرا على تشكيل أي تمثال وأية فكرة تخطر له.





انهمك مختار في فنه حتى أطلق لحيته ولبس "البيريه" كغطاء للرأس وارتدى ملابس البوهيميين الفرنسين، وكان فخوراً بتشجيع أستاذه النحات الفرنسى "المسيو لابلانى" ناظر المدرسة وصاحب فكرة إقامتها، فهو لم يكن فنانا مغمورا في بلده فرنسا وإنما كان مديرا لأحد متاحفها، ودعاه الأمير يوسف كمال فلبى دعوته، وعندما اقترح الأمير فكرة إنشاء هذه المدرسة وحصل على الموافقة كان يريد أن يثبت صواب فكرته، ووجد في مختار أفضل برهان ودعامة لما يهدف إليه.. ومن هنا التقت الموهبة بالرعاية والحماس مع الكفاءة.





ورغم هذا لم يمتنع مختار عن المشاركة في الحياة السياسية، فخرج في المظاهرات المطالبة بالاستقلال عام 1910 واشتبك مع عساكر الانجليز، وعندما تدخل "قومندان البوليس "مانسفيلد" الذي كان يتولى منصب "حكمدار" القاهرة، اندفع محمود مختار إلى حصانه يجذبه من ذيله بكل قوته، فيهوى براكبه على الأرض.. ويقبضون على مختار مع عدد من المتظاهرين يودعونهم السجن لمدة خمسة عشر يوماً.





وما أن تنتهي موجه المظاهرات حتى توضع لوائح جديدة لنظام الدراسة بالمدرسة، ويظهر اتجاه لوضعها تحت إشراف الجامعة المصرية من يونيو إلى أكتوبر عام 1910.. فقام الطلبة بحركة احتجاج عنيفة أدت إلى فصلهم، فأفتتح مختار وزملائه المفصلون مرسماً بجوار المدرسة يمارسون فيه فنهم، حتى تغيرت الأوضاع ودخلت المدرسة تحت إشراف وزارة المعارف وألغى قرار الفصل ليعودوا إلى الانتظام في الدراسة، وقد ضمت هذه الحركة 15 طالباً يمثلون خلاصة النبوغ في المدرسة، كان من بينهم محمد حسن ويوسف كامل ويتزعمهم محمود مختار.





وهناك قصة حب غامضة بين فناننا وإحدى قريبات أستاذ فن التصوير في المدرسة "باولو فورشيلا". لكن هذه القصة انقطعت عندما تقرر سفر مختار إلى باريس عام 1911.





لقد كتب "مسيو جيوم لابلانى" تقريراً عن نبوغ مختار الذي ظهر بوضوح في المعرض الأول الذي أقيم لأعمال الطلبة، وكان من بين المعروضات تمثال كاريكاتيري لابن البلد أقبل المشاهدون على اقتنائه وباع منه ثمانية نسخ من الجبس بسعر جنيهين ذهبيين للنسخة الواحدة.. ووافق الأمير على تقرير لابلانى وقرر أن يبعث مختار إلى باريس لإتمام دراسته ويتولى الإنفاق عليه.





سافر مختار إلى باريس وهو يعرف أن هذه هي فرصته لتحقيق أحلامه.. ويضع بيتين من الشعر كشعار لجهاده يقول فيهما:





أعلل نفسي بالمعالي تخـيلاً


فياليـت آمـال الخيال تـكون


سأرفع يوماً للفنون لواءها


ويبقى لذكراها بمصر رنين





في باريس





يتقدم مختار للالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة الفرنسية "البوزار" مع أكثر من مائة متقدم جاءوا من فرنسا ومن سائر أنحاء الأرض، ويفوز مختار عليهم جميعاً، فيجيء ترتيبه الأول، وينال إعجاب أستاذه الجديد "كوتان" ويشجعه راعياً لموهبته.





والفنان "كوتان" هو صاحب التماثيل البرونزية التي تزين "كوبرى الاسكندر" بباريس، فهو ليس مجرد معلم وإنما فنان مرموق أيضا. وقد تتلمذ مختار أيضا على يدي الأساتذة: "مرسييه" و "انجلبرت" وبدأ يتطلع إلى الفنانين








مما تصفحت

عبدالقادر

المساهمات : 17
تاريخ التسجيل : 12/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى